الأخبار

« رجوع

البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي

22-10-2016

Tanfeedh, the national programme for enhancing economic diversification starts today at the Institute of Public Administration in Al Khuwair.

تبدي الدول أهمية كبيرة لموضوع التنويع الاقتصادي، خاصة تلك التي تعاني من اختلالات أو تشوهات كبيرة نتيجة اعتمادها على المورد الوحيد للدخل القومي كدولنا الخليجية وبعض الدول الأخرى التي تعتمد على إيرادات النفط كمورد رئيس لدخلها الوطني، في الوقت الذي تمتلك بعضها كالسلطنة ثروات طبيعية عديدة يمكن أن تشكّل موارد هامة لتعزيز إيراداتها المالية السنوية، وبالتالي تنفيذ المزيد من المشاريع التنموية وتوفير مزيد من فرص العمل للمواطنين.

لقد أدركت العديد من الدول في المنطقة نتيجة تراجع أسعار النفط العالمية بأنها بحاجة إلى إعادة التخطيط الاقتصادي وتعزيز مفهوم التنويع الاقتصادي لدى الجميع، بحيث لا تبقى عرضة لمورد رئيسي واحد، وبسبب الخطورة الكامنة وراء الاعتماد على النفط فقط، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على النمو والاستقرار السياسي والاقتصادي لها. ورغم التحذيرات التي وجهت لدول المنطقة بضرورة إنجاز التنويع في اقتصاداتها لمعالجة هذه الاختلالات في العقود الماضية، إلا أن تحقيق وتنفيذ السياسات التنموية لم تحقق بصورة واضحة، أو ربما تمت بخطوات بطئية. ويرى البعض بأن القوى العاملة الوافدة في المنطقة كانت المستفيد الأكبر من غياب التنويع الاقتصادي، بسبب تمكنها من التغلغل في مفاصل الاقتصادات الوطنية والعمل بالتجارة المستترة التي انتشرت في جميع القطاعات الاقتصادية دون استثناء، الأمر الذي أدى بأبناء المنطقة البعد عن الدخول في المشاريع الاقتصادية الحرة، وبالتالي الابتعاد عن العمل الحر وتحريك دفة التنويع الاقتصادي. ومن هنا نرى ان العديد من الدول تتخذ اليوم مواقف جادة بهدف تطبيق استراتيجية التنويع الاقتصادي وإنجاحها من خلال تبنيها لمجموعة من السياسات الاقتصادية التنويعية، والتي يكون الهدف منها إعادة هيكلة الاقتصاد أولا، ورفع مستوى مساهمة القطاعات الاقتصادية البديلة في الناتج المحلي، وتحسين كفاءة فاعلية هذه القطاعات وبخاصة قطاع الصناعات التحويلية، مع العمل على تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية وتوظيفها لاحقا للمساهمة في تنفيذ هذه المشاريع المتنوعة. وهذا ما تسعى إليه السلطنة أيضا من خلال توظيف جميع السبل والوسائل لتحقيق التنويع الاقتصادي واختيار الخبرات والكفاءات الاقتصادية لضمان استمرارية وديمومة النمو الاقتصادي مستقبلا. والكل يعلم جيدا بأن التنمية في السلطنة مرت بعدة مراحل منذ بداية السبعينات وحتى اليوم وفق أسس وبرامج اقتصادية واجتماعية معينة، ووفق الموارد المادية والمعنوية التي كانت متاحة للبلاد، خاصة وأن تحقيق التنمية وتنفيذ المشاريع التنموية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والعمل على التنويع الاقتصادي تطلبت صرف الكثير من الأموال لتصل أيدي المدنية والتحضر والرقي والتصنيع إلى مختلف المحافظات والولايات العمانية في سنوات قليلة.

ومنذ منتصف السبعينات من القرن الماضي تحدث جلالته -حفظه الله ورعاه- عن واقع الاقتصاد العماني متناولا أهمية الثروات الموجودة في البلاد وخطة استثمارها اقتصاديا، موضحا «أنه إذا كانت عائدات النفط هي المصدر الرئيسي لدخلنا في الوقت الحاضر فإننا ندرك أن لدينا مصادر أخرى وفيرة لا بد من استثمارها لندفع عجلة التنمية والتطور بالسرعة التي نرجوها لهذه البلاد…». وهذا ما يدفعنا إلى ضرورة استغلال تلك الثروات والموارد التي تتمتع بها السلطنة في القطاعات السياحية والزراعية والسمكية والحيوانية بجانب الثروة المعدنية التي تشكل جميعها اليوم بنودا مهمة في تنمية الاقتصاد العماني خلال الفترة المقبلة.

ومن هذا المنطلق تبنت الجهات المعنية مؤخرا البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ)، حيث يعتبر واحدا من البرامج الوطنية التي انبثقت من الخطة التنموية الخمسية التاسعة التي بدأت اعتبارا من بداية العام الحالي 2016 وحتى نهاية عام 2020م. ويهدف هذا البرنامج بصورة رئيسية إلى المساهمة في تحقيق رؤية السلطنة نحو التنويع الاقتصادي، ومعرفة التحديات والصعوبات التي تواجهها الجهات الحكومية وغيرها في سبيل تحقيق هذه الرؤية، وإعداد خطط وطنية تفصيلية قابلة للقياس فيما يتعلق ببرنامج التنويع الاقتصادي. ووفق البيانات الرسمية فإن تطبيق هذا البرنامج يتم وفق خطة عملية منهجية، ويقوم على جمع وتحليل البيانات والمعلومات، ومتابعة وتقييم مؤشرات الأداء الرئيسية، وتحديد جهات التنفيذ وإدارة المشاريع، من خلال فرق عمل من الكوادر العُمانية والخبراء المتخصصين من داخل وخارج الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط، بحيث يشمل قطاعات محددة في المرحلة الأولى تشمل (السياحة، والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية) إضافة إلى الممكنات الداعمة وهي قطاع سوق العمل، وقطاع التمويل، فيما ستغطي المرحلة الثانية من البرنامج قطاعي (الثروة السمكية- التعدين). وتسعى الحكومة إلى الاستفادة من هذا البرنامج من خلال توظيف أفضل التجارب والممارسات الدولية الناجحة في مجال تنفيذ الخطط من قبل بعض الدول التي سبقت في تنفيذ مثل هذه البرامج، حيث تم التعاقد مع وحدة الأداء والتنفيذ التابعة لحكومة ماليزيا، كبيت خبرة دولي لتنفيذ هذا البرنامج، وتقديم الدعم الفني للأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط.ووفق ما ورد عن أهمية هذا البرنامج الماليزي، فان تنفيذ مرتكزاته سيتم عبر ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في التزام ومتابعة مباشرة من الحكومة، ونشر جميع التفاصيل والخطط والبرامج وتقارير المتابعة على الرأي العام، على أن تتميز بمرونة تشغيلية للوحدة، واستقلالية في استقطاب أفضل الكفاءات، مع ضرورة إيجاد تنظيم عالي المهارة. ومن خلال هذا البرنامج، فانه سيتم العمل على تسريع وتيرة تنفيذ الخطط في مجال تعزيز التنويع الاقتصادي، ومساعدة الحكومة للاستفادة من أفضل الممارسات الناجحة في التخطيط الاجتماعي والاقتصادي، وتوظيف موازناتها في مشاريع ذات عوائد اقتصادية وقيمة مضافة تعمل على توفير فرص عمل دائمة للمواطنين بحيث لا تقل عن 50%، بالإضافة إلى تحقيق الأهداف والبرامج والسياسات المحددة للتنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية التاسعة. كما يهدف البرنامج أيضا إلى وضع خطة واضحة ومحكمة لزيادة الاستثمارات الخارجية والداخلية، وتمكين الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط من متابعة تنفيذ خطتها المتعلقة بالقطاعات الخاصة بالتنويع الاقتصادي، بجانب تمكين السلطنة من رفع درجة التنافسية في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، ومساعدة الجهات المعنية على تنفيذ مشاريعها وخططها وفقا لأفضل الممارسات المتبعة. وهذا بدروه يهدف إلى تحسين كفاءة الإنجاز ومد جسور التعاون والمشاركة بين كافة الجهات المعنية، ووضع مؤشرات قياس وأهداف محددة، وآلية متابعة وتنفيذ دقيقة، بالإضافة إلى تحديد نسبة من الاستثمارات الرأسمالية غير الحكومية بحيث لا تقل عن 80%، وأخيرا زيادة الناتج الوطني الإجمالي للبلاد.

إن هذه الخطط والبرامج في حالة تنفيذها بصورة ناجحة ستعمل – بلا شك – على تحقيق مزيد من الرخاء للمجتمع العماني والاستدامة في تحقيق النمو الاقتصادي، وتحديث الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر دخله، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى توظيف المزيد من العمانيين في مختلف القطاعات الاقتصادية، ويرفع مستوى المعيشة في مختلف المحافظات العمانية، وستقف إيرادات القطاعات الأخرى بجوار الإيرادات النفطية إن لم تحل محلها في المستقبل. كما ستؤدي هذه الخطوات إلى تمكين السلطنة من زيادة نسبة الاستثمارات الموجهة إلى المشروعات المغلة للدخل، وتوزيع الاستثمارات جغرافيا بحيث تعود المنفعة على مختلف المناطق المترامية. كما أن نجاح هذا البرنامج سوف يضمن مضاعفة دخل الفرد، والتوازن بين الإيرادات والاستخدامات، ويهيئ الظروف الملائمة للانطلاق الاقتصادي بصورة جديدة بعيدا عن الاعتماد على مصدر واحد غير متجدد للدخل القومي من خلال نقل السلطنة إلى عصر الصناعات الثقيلة.

« رجوع