الأخبار

« Back

تنفيذ: لنصرع اليأس بالأمل

16-10-2016

مرتضى بن حسن بن علي – appleorangeali@gmail.com كنت خارج البلد عندما تلقيت دعوة كريمة للاشتراك في مختبرات « تنفيذ .» وعندما رجعت الى مسقط كان رأي بعض من التقيت معه مترددا ومتشككا في جدوى المشاركة او الحضور بناءً من واقع الماضي القريب حيث كان في اعتقاد البعض من واقع ما حصل في تلك الاجتماعات ، و منها « المؤتمر» ومنها « الندوة» ومنها « حلقة نقاش» ومنها « دائرة حوار» ومنها « حلقة عمل» و منها جلسات « استشارة العقول « brain storming » التي كانت مُكِلفة ، من دون تنفيذ التوصيات الكثيرة التي صدرت و من دون وجود مقاييس نوعية و كمية للأعمال التي نفذت ، و من دون وجود رقابة حقيقية عليها ومن دون تطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

ولكن مع ذلك قررت مع آخرين كثيرين ان أذهب وأشارك في المختبرات لكي تتاح الفرصة ان أقيس نبض ودرجة حرارة تجمع وطني معنيٌ ومهمومٌ بقضايا وطنه وسياساته ودوره في المنطقة ومستقبله في عالمه . وحين يكلف مواطن نفسه مشاق الذهاب الى محفل عام تاركا خلفه أعماله و لاغيا برامجه الاخرى، فمعنى ذلك ان هذا المواطن – رجلا أم امرأة – مشغول بما هو اكثر من شأنه الخاص ، مشغول بعمان التي تستحق من الجميع التضحية و العمل الجاد من اجلها . كنت مع الآخرين من المتفائلين بحسب التعريف الذي يقول: « ان المتفائل شخص يتعلق بالأمل على حساب التجربة

الأمل يقول: فلنحاول
و التجربة تقول: كفانا
كنت متفائلا مثل الكثيرين بنفس المعنى … متعلقا بالأمل على حساب التجربة . وبمعنى أدق نحاول مرة اخرى وفي ظروف دقيقة مختلفة ، وعفا الله عما سلف.

وربما ان المأزق الذي يجمعنا جميعا هو اننا إذا اخترنا ان نتخلى عن الأمل ونتعظ بالتجربة ، فسوف نجد انفسنا في موقف مستحيل وسط طريق خطر وفي ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد والتوتر . وهذا استهتار بالمصير لا نقدر عليه و لا نتحمله، وفوق ذلك فإن مسؤولية الحياة – و هي اعظم آيات الله في كونه – لا تقبل بِه ولا ترضاه.

و اذا كان قرارنا – وليس هناك بديل عنه- ان نتحمّل مسؤولية الحياة، فسيكون ضروريا ان نبدأ محاولتنا الجديدة في تغليب الأمل على التجربة بالقيام بتوصيف دقيق ما نحن فيه من موقف بالغ الصعوبة في محيط تجتاحه العواصف و الزلازل والفتن. التوصيف الدقيق و الصريح للوضع الذي نحن فيه وتشخيصه ومعرفة العوامل التي أدت اليه ، ضروري جدا لإيجاد العلاج الناجع مهما كان قاسيا. ثم نضعه في متناول الجميع عبر كل الوسائل الممكنة و لا سيما لشباب عمان و شاباتها الذين يشدهم الشوق لمعرفة الحقيقة بين المزاعم المتعارضة والتطلع لمستقبل زاهر .

وهكذا يصبح من الضروري ان تكون لدينا نقطة بداية دقيقة وموثقة بحيث لا يحق لأحد ان يدور حولها او يتجاهلها لأي سبب او ادعاء، وخصوصا اننا نجد انفسنا في مفترق طرق يفرض علينا ان نختار بإرادتنا او تختار لنا الظروف كيفما يكون ، ولا اظن ان اختيارها سوف يكون في صالح ما نأمل فيه! فالوقت اذا لم نتمكن ان نستثمره جيدا لن يكون ابدا في صالحنا.

وتوصيف وتشخيص المشاكل وأسبابها وجذورها ضروري من اجل البدء في مرحلة التنفيذ الفعلية وأن تكون مختبرات « تنفيذ» حافزا الى ان نفتش في كل النواحي عن خيارات بديلة تومئ الى مستقبل أفضل . ادرك ان تنفيذ كل شيء لن يكون أمرا سهلا و لكن تنفيذ جزء معتبر منه سوف يكون دافعا للغير ان يساهم ايضا والانخراط في اجراء التغيير الضروري.

النجاح و ان كان جزئيا سوف يشكل تيارا قويا لإزالة العراقيل الأخرى ويكتسب قوة دفع ذاتية. أني آمل ان الكلام الذي يقال لن يكون كلاما ساكنا- كما يقول التعبير السوداني الشائع- أي يكون تعبيراً لا يقول شيئا ولا يدفع الى فكر أو فعل كما آمل ان لا يتحول كثرة الكلام الناتج من عصبية الحركة لذاتها الى صناعة معلبات فيها وصفة مستخلصة من أعشاب الفلسفة والفكر والدين والسياسة والاقتصاد والمال والتعليم والثقافة والاعلام والإعلان، معجون ببعضه بشكل عجيب.

واذا يقال في الطب ان تشخيص الأمراض نصف الطريق الى علاجها . فان القول نفسه ينطبق في «أمراض السياسات التنموية.

في العلل العضوية كان الفحص في البداية بالنظر ، ثم تلاه الفحص باليد.

ثم ظننا ان الكشف بلغ دقته باستعمال ميزان الحرارة و جهاز قياس الضغط.

والان، نعرف من الفحص ما لا أول له و لا آخر . فهناك التحاليل المعملية كيمياوية ومناعية وجينية ، وهناك الوسائل التصويرية بالأشعة تنفذ الى كل موقع في الجسم، وهناك الدراسات الفسيولوجية والكهربية تختبر كل جزئية ، وهناك المناظير الداخلية تخترق اعماق الجسم ، وهناك تحاليل ودراسة الأنسجة تفك طلاسم التركيب البشري ذاته .

نأمل ان هذا الحشد من أبناء عمان المجتمعين في مختبرات « تنفيذ» سوف يتمكن من إعادة الفحص للتوصل الى التشخيص السليم لكثير من مشاكلنا المتراكمة والمزمنة وأن لا يكون اسيراً ومتخندقاً في سالف افكاره. اننا في حالة وعي وقدرة طالما و بإرادتنا نبحث عن حل، و لعل تلك واحدة من الظواهر الملفتة على طول عمان و عرضها. ففي كل ركن منها مناقشة ، و في كل محفل فيه حوار. وكذلك في مختبرات «تنفيذ» يتردد صدى ذلك بشكل مسموع . و معنى ذلك ان إرادة الشفاء لدينا. وكذلك إرادة الصحة موجودة، اذا استطعنا التوصل الى تشخيص سليم.

وكذلك فان الجميع يأمل بعد وصولنا الى حالة استيفاء الفحص والتحليل والإحاطة والنفاذ ان تسنح الفرصة لأحسن الأطباء المتوفرين المحليين منهم والدوليين لمباشرة تجربة العلاج مهما كان صعبا ومؤلمًا و تحت رقابة صارمة .

الحقيقة الآن تتبدى جلية ، وهي إدراك الكثيرين ان عمان تستحق الأفضل والأحسن وتبحث في المستقبل وليس في الماضي، وليست مستسلمة لحالة من اليأس .

و أملي ان الاستعانة بتجربة بلد مثل ماليزيا والتي تمكنت ان تخطو خطوات كبيرة الى الامام ، مضافة الى وسائل العصر، مضافة الى شحنة القلق، مضافة الى رصيد انساني غني، مضافة الى قيادة حكيمة لصاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله و رعاه- قادرة كلها في مستقبل غير بعيد ان تتحول الى طاقة إيجابية تصرع اليأس بالأمل ولا تصرع الأمل باليأس.

لقد حان وقت التحول الكبير والعمل من اجله .

«وقل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون. [سورة التوبة، الآية ١٠٥].

« Back